Français      ||   Amazigh     ||     English     ||     عربي 

 

فخامة رئيس الجمهورية

عبد العزيز بوتفليقة

للعدد الخاص لـمجلة « China Investment »

 chine2

« لنعش في سلام من أجل بناء مجتمع مشترك للبشرية»

إنه لـمن دواعي السعادة أن أساهم بمقالي هذا في العدد الخاص من مجلة«China Investment» . وذلك، لأنه سيصدر بمناسبة انعقاد الدورة الثالثة لقمة منتدى التعــــاون الصيــــني الإفريقي، التــــي ستفيد بلا شك في توثيق الروابط بين الدول الإفريقية وجمهورية الصين الشعبية، و من جهة أخرى، لأن الجزائر و الصين يحتفلان هذا العام بالذكرى الستين لإقامة علاقاتهما الدبلوماسية. و الحدث هذا عزيز عيلنا لـما يحمله من معان نبيلة و دلالات عميقة تعكس عراقة و متانة هذه العلاقات، التي لـم تعرف، على مر السنين، سوى التميز و الامتياز.

إننا نعتز بكون بلادي من أهم الدول الإفريقية التي تربطها علاقات واسعة ووطيدة مع الصين، وبأننا نتقاسم مع هذا البلد الصديق عددا من الـمبادئ التي تهدف إلى تكريس ثقافة السلـم و العيش معا.

أود، في هذا الإطار، أن أذكر أن بلدينا احتفلا على غرار بقية دول العالـم، يوم السادس عشر من شهر مايو 2018 ، و لأول مرة، باليوم العالـمي »للعيش معا في سلام « الذي أقرته بالإجماع الجمعية العامة للأمم الـمتحدة يوم 08  ديسمبر 2017 ، بموجب قرارها 130/72، بناء على اقتراح جزائري.

و لا يفوتني أن أشير، في هذا السياق، إلى أن مبدأ «العيش معا في سلام» متجذر في الشخصية الجزائرية، فالأمير عبد القادر، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، سبق عصره بتقديمه دروسا للإنسانية في التسامح ما بين الديانات والتعايش السلـمي و احترام حقوق الإنسان، من خلال معاملته الحسنة للأسرى خلال مقاومته للاستعمار الفرنسي ما بين  1830 و 1847، و الدور الذي اضطلع به في منفاه بدمشق قصد وضع حد للصراعـــــات الطــــائفية التي وقعت بين الـمسلـمين و الـمسيحيين في الشام، عام 1860، على حد سواء.

أضف إلى ذلك أن الشعب الجزائري قد عبر، منذ اليوم الأول لثورته الـمباركة، عن رغبته الصادقة في السلـم و حقن الدماء من خلال التفاوض بناء على حق الشعوب في تقرير مصيرها.

و قد عملت الجزائر، بعد استقلالها، على تعبئة دبلوماسيتها خدمة للسلام في العالـم و ذلك بالتنسيق و التعاون مع كافة البلدان الصديقة التي تشاطرها نفس التطلعات.

فعلى الصعيد الإفريقي، ساهمت الجزائر بفعالية في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1963 ، تلك الـمنظمة التي كرس ميثاقها اعتماد الحلول السلـمية لفض النزاعات و كذا مبدأ عدم الـمساس بالحدود الـموروثة عن الاستعمار، الذي يعد حجر الأساس للسلـم و الاندماج في القارة الإفريقية. هذا فضلا، عن الدور الذي قامت به بلادي في دعم حركات التحرر في إفريقيا من أجل تصفية الاستعمار و القضاء على سياسة التمييز العنصري، و هما ظاهرتان لا يتأتى، في ظلهما، تحقيق «عيش مشترك في سلام».

و يمكن ذكر بعض الأمثلة عن مساهمة بلادي ووساطتها الناجحة التي توجت باتفاق بين إيران والعراق في 1975، و بين إيران و الولايات الـمتحدة الأمريكية في قضية الرهائن في 1981، و تلك التي وضعت حدا للنزاعات في إفريقيا. ففي 12 ديسمبر 2000، أشرفتُ شحصيا على توقيع اتفاق سلام بين إثيوبيا وإرتريا، أنهى حربا خلفت عشرات الآلاف من القتلى. كما قادت الجزائر عملية وساطة حثيثة لإنهاء حالة الحرب التي كانت تشهدها منطقة شمال مالي، تكللت بالتوقيع في الجزائر على اتفاق السلام النهائي والـمصالحة الوطنية، في أول مارس 2015.

و على الصعيد الدولي، عملت الجزائر على الدفاع عن مبادئ الأمم الـمتحدة لا سيما حفظ السلـم والأمن الدوليين، و إنماء العلاقات الودية بين الأمم بناء على حق الشعوب في تقرير مصيرها و عدم التدخل في الشؤون الداخلية، و هي الـمبادئ التي نعدها أساس التعايش السلـمي بين الشعوب.

و لعل جمهورية الصين الشعبية من بين أكثر الدول التي تأثرت بسبب عدم احترام بعض البلدان حق الشعب الصيني في تقرير مصيره، و ذلك من خلال حرمانها من حقوقها الـمشروعة على مستوى الأمم الـمتحدة لـمدة 22  سنة، إلى غاية تصويت الجمعية العامة للأمم الـمتحدة، في 25  أكتوبر1971  على القرار 2758، بعد معركة دبلوماسية تشرفتُ بالـمشاركة فيها داخل أروقة الـمنظمة الأممية، بصفتي وزيرا لخارجية الجزائر آنذاك، رفقة عدد من البلدان النامية وغالبية الدول الإفريقية.

و لقد لـمسنا، بعد ذلك، كيف كان لاسترجاع الصين عضويتها بالأمم الـمتحدة من أثر إيجابي على تعزيز العلاقات الودية بين الشعوب و الدول، كيف لا و هي التي طرحت، منذ سنة 1954، الـمبادئ الخمسة للتعايش السلـمي الـمتمثلة في: الاحترام الـمتبادل للسيادة وسلامة الأراضي، و عدم الاعتداء الـمتبادل، و عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخر، و الـمساواة، والـمنفعة الـمتبادلة، و التعايش السلـمي.

إن تشبع الجزائر و الصين بثقافة السلـم و التضامن و التعاون قد دفع بهما إلى الـمحافظة، منذ سنوات طويلة، على سنة التشاور و تنسيق الـمواقف على مستوى الـمحافل الدولية، و هو ما أكدتُ ضرورة مواصلته، أنا و صديقي الرئيس شي جينبينغ، من خلال إعلان الشراكة الإستراتيحية الشاملة الذي وقعناه في مايو 2014.

في هذا السياق، ينبغي أن أنوه بأن الـمقترح الذي تقدمت به الجزائر من أجل إقرار يوم عالـمي «للعيش معا في سلام» يتقاسم نفس الأهداف التي يرمي إلى تحقيقها مفهوم بناء « مجتمع مشترك للبشرية » الذي عرضه الرئيس الصيني شي جينبينغ على العالـم عام 2013، و الذي يصبو إلى تشييد عالـم منفتح وشامل ونظيف و جميل، ينعم بالسلام الدائم و الأمن للجميع و الرخاء الـمشترك.

و قد أصبح مفهوم «مجتمع مصير مشترك للبشرية» في الوقت الحالي واضح الـملامح للعالـم بفضل الشروح و التفاصيل التي تفضل بها الرئيس شي في العديد من الـمحافل الدولية خلال السنوات الأخيرة.

و إننا جد سعداء لكون الـمفهوم الصيني قد أخذ يحظى بتأييد متزايد من قبل الـمجموعة الدولية في الآونة الأخيرة، و هو ما ينعكس في طبعة سنة 2018  للـمنتدى الاقتصادي العالـمي التي اختارت كشعار لها «بناء مصير مشترك في عالـم متباين»، و في قَرَارَيْ مجلس حقوق الإنسان اللذين أكدا مؤخرا بوضوح ضرورة «بناء مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية».

و لعل أهم ما يميز به مفهوم بناء «مجتمع مصير مشترك للبشرية» هو دعمه بتدابير ملـموسة و عملية متمثلة في مبادرة «الحزام و الطريق»، التي طرحها الرئيس شي جينبينغ كذلك سنة 2013، و التي أصبحت تشكل اليوم فضاء واسعا للتعاون من أجل تحقيق التنمية الـمشتركة بين الدول بفضل الآليات التي أنشأتها الحكومة الصينية لهذا الغرض، خاصة فيما يتعلق بتشجيع الاستثمارات و تشييد البنى التحتية.

كما أن إسهام الصين بقوة في النمو الاقتصادي العالـمي و حِرْصَهَا على مواصلة سياسة الإصلاح والانفتاح، بالإضافة إلى جهودها في التوصل و الالتزام باتفاق باريس لِلْـمُنَاخِ و مشارَكَتِهَا بفعاليةٍ في عمليات حفظ السلام و سَعْيِهَا إلى طرح حلول ناجعة للأزمات، قد أوضح للعالـم بأسره عزمها الصادق على تشييد «مجتمع مصير مشترك للبشرية».

و تجدر الإشادة، في هذا الإطار، بالـمكانة الـمتميزة التي تحظى بها القارة الإفريقية من خلال مبادرة «الحزام و الطريق» و مفهوم «مجتمع مصير مشترك للبشرية»، و هو ما يعد امتدادا لعلاقات الصداقة التاريخية التي تربط الصين بالبلــدان الإفريقـــية ويعكس النتائج الـملـموسة التي حققها الجانبان منذ إرساء منتدى التعاون الصيني الإفريقي سنة 2000 في مختلف الـمجالات.

إن الإنجازات التي تم تجسيدها خلال الثلاث سنوات الأخيرة تنفيذا لتوصيات قمة جوهانسبورغ الـمنعقدة سنة 2015، لتعبر بصدق عن الإرادة الجادة التي تحدو الصين و البلدان الإفريقية من أجل إقامة نموذج ناجع «جنوب – جنوب».

و ستكون القمة الثالثة لـمنتدى التعاون الصيني الإفريقي التي ستحتضنها بيجين خلال شهر سبتمبر 2018، فرصة مواتية لتوطيد الشركة الإستراتيجية بين الجانبين و دعم السلـم و التنمية خدمة «للـمصير الـمشترك بين الصين والبلدان الإفريقية».

و في الختام، لا يسعني إلا أن أؤكد أن تشييد «مجتمع مصير مشترك للبشرية»، الذي اقترحته الصين و تحقيق «العيش معا في سلام» الذي طرحته الجزائر، في حاجة إلى تضافر جهود كل الدول من أجل تحقيق سلـم دائم في العالـم، أساسه العدل و قوامه الحوار و التلاقح بين الثقافات و الحضارات.

و لعل أحسن ما يمكن أن نختم به هذه العجالة هو الـمزج بين الـمفهومين الجزائري و الصيني في جملة واحدة بدعوة الإنسانية قاطبة إلى «العيش في سلام من أجل بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية».

أعلى